الشيخ محمد حسين الحائري

102

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

الخاص وإلا لكان جميع المباحات مكروهة لاستيعاب المندوبات المضادة لها تمام العمر وليس بشئ لان الكراهة النفسية والغيرية غير لازمة إذ غاية ما يلزم من قاعدة الضدية رجحان تركها للتوصل به إلى فعل المندوب وهذا مما لا إشكال فيه وإنما الاشكال في وقوع المباحات مكروهة أي متصفة بالمرجوحية وهو غير لازم في غير سبب ترك المندوب كما يظهر مما حققناه في معنى الوجوب الغيري مع أن المعتبر في الكراهة ليس مجرد المرجوحية وإلا لكان تارك كل مندوب فاعلا لمكروه هو تركه ولا خفاء في فساده بل المرجوحية الموجبة لمنقصة دينية في فاعلها غير محرمة ولا ريب أن مجرد تفويت الثواب أو ترك الراجح لا يوجب ذلك وبهذا يظهر الفرق بين الترك المكروه وخلاف الأولى فصل إذا تعلق الامر بشيئين أو أشياء على التخيير كما في خصال الكفارة فالحق أن كل واحد منها واجب على التخيير بمعنى أنه واجب يجوز تركه إلى الاخر وهذا هو المعروف بين أصحابنا وذهبت الأشاعرة إلى أن الواجب فيه واحد لا بعينه واستظهر العلامة وغيره تبعا للفخر الرازي عدم الفرق بين هذا القول والقول المتقدم معنى وهو بعيد لان الواجب على القول الأول كل واحد بعينه لا على التعيين لا واحد لا بعينه كما هو نص القول الثاني على أن العضدي بعد أن اختار هذا القول صرح في أثناء الاحتجاج بأن المراد وجوب مفهوم الواحد الصادق على كل واحد من مصاديقه لا بعينه أي على البدلية لا المصداق لا بعينه فيلزم التكليف بالمبهم والواجب على الأول كما عرفت نفس المصداق دون مفهوم الواحد فلا يمكن التوفيق بين القولين وحكي في المقام أقوال أخر ضعيفة منها أنه يجب الجميع ويسقط بفعل البعض ومنها أنه يجب معين ويسقط بفعله أو فعل معادله ومنها أن الواجب معين عند الله وهو ما يفعله المكلف قال العلامة وجماعة وهذا مذهب تبرأ كل من المعتزلة والأشاعرة منه ونسبه إلى صاحبه ونحن لا نبحث عن هذه الأقوال لوضوح فسادها واستغنائها عن تكلف البيان لنا أن معنى قول القائل أعتق رقبة أو أطعم ستين مسكينا طلب العتق بعينه وطلب الاطعام بعينه على التخيير وليس معناه طلب مفهوم خارج عنهما صادق عليهما على البدلية كمفهوم أحدهما فيكون ذلك مطلوبا على التعيين لان الهيئة الدالة على الطلب متعلقة بكل منهما بعينه فيكون هو المطلوب وليس في الكلام ما يكون معناه مفهوم أحدهما حتى يصح تعلق الطلب به ولفظ أو ونحوه إنما يفيد التخيير والبدلية بينهما بمعنى جواز ترك كل منهما إلى الاخر لان كلا منهما مطلوب باعتبار صدق مفهوم أحدهما عليه ولا بمعنى أن كل واحد واجب تعييني إن لم يتحقق الاخر فيلزم أن يجب الجميع تعيينا على تقدير المخالفة فيها فيكون بذلك تاركا لعدة واجبات تعيينية فيستحق المعاقبة على كل واحد منها مستقلا بل بمعنى أن كل واحد واجب يجوز تركه إلى الاخر ومثل هذا لا يستحق بحكم العقل والعادة فيه إلا عقابا واحدا على ترك الجميع نعم يصدق على الامر بالوجه المذكور أنه أمر بأحدهما أو أحدها لكن مجرد الصدق لا يقتضي العينية في المفهوم ألا ترى أن الامر بضرب زيد يصدق عليه أنه أمر بضرب الانسان والضاحك وغيرهما من المعاني الصادقة عليه مع أنهما متغايران بحسب المفهوم قطعا وأما جواز ترك البعض في الجملة أو عدم ترتب استحقاق العقاب عليه كذلك فلا ينافي وجوبه لما عرفت من أن الواجب على ما يساعد عليه التحقيق هو ما يستحق العقاب على تركه من غير بدل ولا عذر ولا ريب أنه هنا يستحق العقاب على ترك الجميع ويمكن أن يحتج لمن قال بأن الواجب مفهوم أحدهما بأنه لو لم يكن ذلك لكان الواجب ما صدق عليه هذا المفهوم إذ لا قائل بغيرها بالفصل والتالي باطل لان ما صدق عليه أحدهما إن اعتبر مبهما امتنع وجوده فيمتنع وجوبه وإن عين كلا أو بعضا خرج عن موضع النزاع إذ لا تخيير على تقديره لا يقال الممتنع وجود المبهم في الخارج بشرط الابهام وعدم التعيين لا لا بشرط التعيين كما في المقام ألا ترى أن النكرة موضوعة لفرد غير معين من الطبيعة فإن أخذ بشرط كونه غير معين امتنع وجوده وامتنع تعلق التكليف به وإن اعتبر من حيث ذاته أعني نفس الموصوف لا بشرط التعيين كما هو المفهوم منه أمكن وجوده وصح تعلق التكليف به فالنكرة مبهمة بالاعتبارين إلا أن منشأ إبهامها على الأول اشتراط الابهام فيها وعلى الثاني عدم اعتبار التعيين فيها والفرق واضح على أن الاشكال الأخير متجه على تقدير أن يكون الواجب مفهوم أحدهما أيضا إذ لا تخيير حينئذ في نفس الواجب والتخيير في الافراد لا يوجب صيرورة الواجب تخييريا وإلا لكانت الواجبات التعيينية المتعلقة بالطبائع الكلية تخييرية ولا قائل به لأنا نقول أما الأول فمدفوع بأن التوجيه المذكور إنما يتجه فيما إذا كان هناك أمر واحد يصلح لان يتصف بالابهام تارة وبالتعيين أخرى كما في النكرة وبدون ذلك لا يستقيم قطعا وليس هنا ما يصلح لذلك سوى مفهوم أحدهما فيتعين أن يكون هو الموصوف بالوجوب وهو المطلوب وأما عن الثاني فبأن المراد بالواجب المخير ما صرح الشارع بالتخيير فيه أو يكون التخيير فيه بين أمور متخالفة بالحقيقة وينبغي أن يراد به ما يكون كذلك إما بحسب الحقيقة أو في نظر الشارع كالاطعام والاكساء فإنهما وإن كانا من نوع البذل لكنهما يعدان في الشرع حقيقتين متخالفتين بخلاف التخيير بين إطعام زيد وعمرو فإن التغاير بينهما لمجرد الإضافة وهذا لا يتأتى في الواجبات العينية إذ التخيير بين أفرادها من قبل العقل فقط أو بين أمور لا تخالف بينها بحسب الحقيقة وهذه التفرقة مبنية على مجرد الاصطلاح فلا يتجه المشاحة فيها والأظهر عندي في الفرق أن الوجوب في الواجب المخير يتعلق بالآحاد من حيث الخصوصية المفهومية التعيينية وفي غيره يتعلق بها لا بهذه الحيثية وإنما قيدنا الخصوصية بكونها مفهومية احترازا عن اعتبار خصوص الوجود بناء على ما سنقرره في تحقيق مدلول الامر بالطبيعة فإن الامر بها لا يعد واجبا تخييريا في الاصطلاح مع تعلق الوجوب ب آحاد وجوداتها من حيث الخصوصية على البدلية فمثل أكرم زيدا أو عمرا وأكرم في يوم الخميس أو يوم الجمعة واجب تخييري وإن لم يكن هناك تخالف بالحقيقة ومثل افعل مندوبا أو راجحا ليس بواجب تخييري وإن كانت الافراد متخالفة بالحقيقة ولا